أحمد بن محمد مسكويه الرازي
217
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وهو مذموم ، ويعرف ذلك من حده وهو بذل ما لا ينبغي في الوقت الذي لا ينبغي ، فإذا التفضل غير خارج عن شرط العدالة بل هو احتياط فيها ، ولذلك قيل : ان المتفضل أشرف من العادل . « 1 » فقد بان أن التفضل ليس غير العدالة بل هو العدالة مع الاحتياط فيها وكأنه مبالغة لا يخرجها عن معناها لأن هذه الهيئة النفسانية ليست غير تلك الهيئة بل هي هي ، فاما الأطراف التي هي رذائل ، اعني الزيادة والنقصان التي سبق القول فيهما ، فهي كلها هيئات مذمومة غير الهيئات المحمودة ، وحدود هذه الأشياء هي التي تحصل لك معانيها ومشاركة بعضها لبعض ومباينة بعضها لبعض . وأيضا فان الشريعة تأمر بالعدالة امرا كليا وليست تنحط « 2 » إلى الجزئيات ، واعني بذلك ان العدالة التي هي المساواة تكون مرة في باب الكم ومرة في باب الكيف وفي سائر المقولات ، وبيان ذلك : ان نسبة الماء إلى الهواء مثلا ليست تكن بالكمية بل بالكيفية ، ولو كانت بالكمية لوجب ان يكونا متساويين في المساحة ، ولو كانا كذلك لتغالبا وأحال أحدهما الآخر إلى ذاته ، وكذلك النار والهواء ولو أحالت هذه العناصر بعضها لفني العالم في أوحى « 3 » مدة ، ولكن الباري تقدس اسمه عدل بين هذه بالقوة فتقاومت ، فليس يغلب أحدهما الآخر بالكلية ، وانما يحيل الجزء منها الجزء في الأطراف ، اعني حيث تلتقي نهاياتها ، واما كلياتها فلا تقدر على كلياتها ، لأن قواها متساوية متعادلة على غاية التسوية والتعادل . وبهذا النوع من العدل قيل : بالعدل قامت السماوات والأرض ، ولو رجح أحدهما
--> ( 1 ) . لأنّ المتفضل والفضل زيادة على العدالة ، أي المتفضل يعدل ويعطي زيادة عنها . ( 2 ) . تنزل . ( 3 ) . أي : في أسرع مدّة .